عبد الرحمن السهيلي
34
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وقوله في بئر الحديبية : إنما يتبرض ماؤها تبرضاً من البرض ، وهو الماء الذي يقطر قليلاً قليلاً ، والبارض من النبات الذي كأنه يقطر من الري والنعمة . قال الشاعر : رعى بأرض البهمى جميما وبسرةً * وصمعاء حتى آنفته نصالها يقال لكل شيء في أوله : بسرة حتى للشمس عند طلوعها ، وصمعاء : متحدة قد شوكت ، قاله أبو حنيفة . وذكر أن رجلاً من أسلم سلك بهم طريقاً وعراً أجرل يقال : إن ذلك الرجل هو ناجية الأسلمي ، وهو سائق بدنه ، وهو ناجية بن جندب ، ويقال : فيه ابن عمير ، وكان اسمه : ذكوان ، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم : ناجيةً حين نجا من كفار قريش ، وعاش إلى زمن معاويةً ، وأما صاحب بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكور في حديث آخر في الموطأ وغيره ، فاسمه : ذؤيب بن حلحلة بن عمرو بن كليب بن أصرم بن عبد الله بن قمير بن حبشية ابن سلول بن كعب بن عمر بن ربيعة ، وهو لحي بن حارثة جد خزاعة ، وذؤيب هذا هو والد قبيصة بن ذؤيب القاضي صاحب عبد الملك بن مروان ، وعاش ذؤيب إلى خلافة معاوية أيضاً . وذكر في نسب أسلم بن أفصى بن أبي حارثة ، وهو وهم ، وقد أصلحه ابن هشام ، فقال : هو حارثة يعني ابن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأسد ، ويحتمل أن يكون ابن إسحاق لم يهم فيه ، ولكنه نسبه إلى أبي حارثة بن عمرو بن عامر ، وهو عم حارثة بن ثعلبة ، وحارثة هو أبو الأوس والخزرج . وذكر قوله عليه السلام : لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة ، الحديث ، وفي غير رواية ابن إسحاق عن الزهري أنه قال : والذي نفسي بيده ، لا تدعوني قريش ، ولم يقل في الحديث : إن شاء الله ، وقد تكلموا في ذلك فقيل : إنما أسقط الاستثناء ، لأنه أمر واجب كان قد أمر به ، ألا تراه يقول في الحديث : إنما أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ، ولن يضيعني ، وقيل : إن إسقاط الاستثناء ، إنما هو من الراوي إما نسيه وإما لم يحفظه . وفي الحديث : أو تنفرد هذه السالفة . صفحة العنق ، وانفرادها عبارة عن القتل أو الذبح ، وفي الرجز الذي أنشده : يا أيّها المائح دلوي دونكا لو قال : دونك دلوي لكان الدلو في موضع نصب على الإغراء ، فلما قدمها على دونك ، لم يجز نصبها بدونك ، ولكنه بفعل آخر ، كأنه قال : املأ دلوي ، فقوله : دونكا أمر بعد أمر . وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : في الحليس : إن هذا من قوم يتألهون ، أي : يعظمون أمر الإله ، ومنه قول رؤبة : سبّحن واسترجعن من تألّه أي : من تنسك وتعظيم لله سبحانه . وصف الجمع بالمفرد : وقول عروة بن مسعود لقريش : قد عرفتم أنكم والد ، أي : كل واحد منكم كالوالد ، وقيل : معناه أنت حي قد ولدني ، لأنه كان لسبيعة بنت عبد شمس ، وقد يجوز أن يقال في الجماعة : هم لي صديق وعدو . وفي التنزيل : « وَحَسُن أولئك رَفيقاً » النساء فيفرد لأنه صفة لفريق وحزب ويقبح أن تقول : قومك ضاحك أو باك ، وإنما يحسن هذا إذا وصفت بصديق ورفيق وعدو لأنها صفة تصلح للفريق والحزب ، لأن العداوة والصداقة صفتان متضادتان ، فإذا كان على أحدهما الفريق الواحد ، كان الآخر على ضدها ، وكانت قلوب أحد الفريقين في تلك الصفة على قلب رجل واحد في عرف العادة ، فحسن الإفراد ، وليس يلزم مثل هذا في القيام والقعود ونحوه ، حتى يقال : هم قاعد أو قائم كما يقال : هم صديق لما قدمناه من الاتفاق والاختلاف . وأما قوله تعالى : « يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً » غافر ، بلفظ الإفراد ، وقال